السيد محمد تقي المدرسي
342
من هدى القرآن
إذا لابد من تطبيق كل الدين حتى نكون صالحين ، وكل الدين هو الذي يجعلنا نتعايش مع سنن الكون ونبشر بوراثة الأرض بقدر تسخيرها في سبيل الله . [ 106 ] إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ إذا لم يكن الإنسان عابداً فإنه لن يصل إلى الحقيقة . [ 107 ] وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ إن الصيغة العامة لرسالات الله جميعاً ، ورسالة الإسلام بالذات ، هي الرحمة ، لأنها تهدي الناس إلى نعم الله ، والطريق القويم إلى الانتفاع بها ، والنهج السليم لبلوغ الأهداف السامية ، ولذلك جاء في الحديث عن الرسول إنه قال : [ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ . . ] « 1 » . وتتميز رسالة نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله بأنها رحمة للعالمين جميعاً سواء الأبيض أو الأسود ، العربي والأعجمي ، والفقير والغني ، والرجال والنساء ، وأنها - كما السحب الهطول ، كما أشعة الشمس ، كما سائر نعم الله - تشمل الجميع بلا استثناء . ولأنها رحمة للعالمين ، فإنَّ الله سبحانه وتعالى يريدها تسود العالم جميعاً حتى تكون وراثة الأرض كل الأرض للصالحين التابعين لهذه الرحمة . . وهذه بشرى لابد أن يسعى كل مؤمن لتحقيقها . وهناك تفسير آخر لهذه الآية جاء به الأثر الشريف وهو : إن الرسل من قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وآله بعثوا بالتصريح فإذا كُذِّبَ الواحد منهم أنزل الله على قومه العذاب ، بينما بعث نبينا بالتعريض فلا يأخذ الله أهل الأرض في عهده بالبلاء الماحق ، ويدل على ذلك ما جاء في حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام وجهه إلى بعض الزنادقة : وأما قوله لنبيه وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وإنك ترى أهل المال المخالفة للإيمان ومن يجري مجراهم من الكفار مقيمين على كفرهم إلى هذه الغاية ، وإنه لو كان رحمة عليهم لاهتدوا جميعاً ونجوا من عذاب السعير ، قال : فإنَّ الله تبارك اسمه إنما عنى بذلك إنه جعله سبيلًا لإنظار أهل هذه الدار ، لأنَّ الأنبياء قبله بعثوا بالتصريح لا بالتعريض ، وكان النبي صلى الله عليه وآله منهم إذا صدع بأمر الله وأجابه قومه سلموا وسلم أهل دارهم من سائر الخليقة ، وإن خالفوه هلكوا وهلك أهل دارهم بالآفة التي كانت بينهم يتوعدهم بها ويتخوفهم حلولها ونزولها بساحتهم ، من خسف أو قذف أو رجف أو ريح أو زلزلة وغير ذلك من أصناف العذاب الذي هلكت به الأمم الخالية ، إن الله علم من نبينا ومن الحجج في الأرض الصبر على ما لم يطق من تقدمهم من الأنبياء الصبر على مثله ، فبعثه الله
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 16 ص 115 .